غزة / معتز شاهين:
على مدار حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، أثارت عمليات القصف وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين جدلًا واسعًا حول طبيعة الأهداف العسكرية وحدود استخدام القوة، في ظل اتهامات فلسطينية وحقوقية لجيش الاحتلال باستهداف المدنيين وارتكاب جرائم إبادة جماعية بحقهم، مقابل زعم "إسرائيل" أن عملياتها تستهدف المسلحين وتتم وفق القانون الدولي.
لكن الجدل لم يعد محصورًا في الشهادات القادمة من غزة، بعدما فتح فيلم «نازا» نافذة من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من خلال شهادات ضباط وجنود وعناصر استخبارات شاركوا في الحرب، تحدثوا عن آليات اختيار الأهداف وتقدير الخسائر البشرية المتوقعة قبل تنفيذ بعض الضربات.
وتكشف شهادات جنود وضباط إسرائيليين وردت في فيلم «نازا» جانبًا من آليات استهداف المدنيين في قطاع غزة، إذ يتحدث المشاركون عن قرارات عسكرية سبقت عمليات القصف، وعن معرفة مسبقة باحتمال سقوط مدنيين، بينهم نساء وأطفال، نتيجة بعض الضربات.
وتعيد هذه الشهادات، التي جاءت من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فتح النقاش حول كيفية اختيار الأهداف وحجم الخسائر المدنية التي كانت متوقعة قبل تنفيذ العمليات، في وقت تواصل فيه "إسرائيل" التأكيد أن جيشها يعمل وفق القانون الدولي، ويتخذ إجراءات لتقليل الضرر الواقع على المدنيين.
شهادات من داخل المؤسسة
ويرى كتاب سياسيون، أن فيلم «نازا» يتجاوز كونه عملًا وثائقيًا يعرض شهادات لضباط وجنود إسرائيليين، ليفتح نقاشًا سياسيًا وإعلاميًا حول سلوك جيش الاحتلال وآليات استهداف المدنيين خلال الحرب على قطاع غزة.
وأوضح هؤلاء في أحاديثهم مع صحيفة «الاستقلال» أن أهمية الفيلم تكمن في طبيعة الشهادات التي يقدمها، كونها صادرة عن أشخاص عملوا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وتتناول آليات اختيار الأهداف وتقدير أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم خلال العمليات العسكرية.
ومع تصاعد أصداء الفيلم عقب فوزه بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان البندقية يوم السبت، واستقباله بتصفيق استمر 25 دقيقة خلال عرضه الأول، جيّشت "إسرائيل" مختلف مؤسساتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية لمواجهة تداعياته، بدءًا من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزارات الخارجية والحرب والداخلية والثقافة، وصولًا إلى البعثات الدبلوماسية في الخارج.
كما برزت دعوات للتحقيق مع العسكريين الذين شاركوا فيه وكشف هوياتهم، إلى جانب مطالبات باتخاذ إجراءات قانونية ضد القائمين عليه.
واعتبر "بنيامين نتنياهو" أن الفيلم يأتي ضمن ما وصفه بموجة عالمية من التحريض ضد اليهود، وقال في تسجيل مصور نشره عبر تطبيق «تلغرام» إن إسرائيل تخوض مواجهة ضد ما وصفه بالتحريض العالمي المعادي للسامية.
وأضاف نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، أن الأمر يصبح غير محتمل عندما يصدر من الداخل الإسرائيلي نفسه.
حقيقة مغايرة
بدوره قال الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة إن فيلم «نازا» يتجاوز كونه عملًا وثائقيًا يعرض شهادات لضباط وجنود إسرائيليين، ليفتح نقاشًا سياسيًا وإعلاميًا حول سلوك جيش الاحتلال وآليات استهداف المدنيين خلال الحرب على قطاع غزة.
وأوضح أبو رحمة في حديثه مع «الاستقلال» أن أهمية الفيلم تكمن في طبيعة الشهادات التي يقدمها، كونها صادرة عن أشخاص عملوا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وتتناول آليات اختيار الأهداف وتقدير أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم خلال العمليات العسكرية. ويستند الفيلم إلى شهادات 24 من العسكريين وعناصر الاستخبارات، وفق تقارير إعلامية عن العمل.
وأشار إلى أن خروج هذه الشهادات من داخل المؤسسة نفسها يمنحها وزنًا مختلفًا في النقاش الدولي، خصوصًا أن الرواية الفلسطينية، رغم الكم الكبير من شهادات الصحفيين والأطباء والناجين وعائلات الضحايا، واجهت في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية الغربية إشكاليات تتعلق بالمصداقية.
وأضاف أبو رحمة أن اللافت سياسيًا هو حجم الرد الإسرائيلي على الفيلم، إذ هاجمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بينما أمر رئيس أركان الجيش إيال زامير بفحص إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية والتحقيق في شبهات تسريب مواد عسكرية مرتبطة بالفيلم.
ويرى أن هذا الرد يعكس حساسية المؤسسة الإسرائيلية تجاه شهادات صادرة من داخلها، لافتًا إلى أن الفيلم لا يطرح فقط مسألة وقوع انتهاكات، وإنما يفتح سؤالًا أوسع حول طبيعة القرارات العسكرية وآليات استهداف المدنيين والمسؤولية عن هذه الممارسات.
وبيّن الكاتب أن المعركة لا تتوقف عند مضمون الشهادات، بل تمتد إلى كيفية توظيفها في الصراع على الرواية، معتبرًا أن الاعتراف بالشهادة الإسرائيلية قد يساهم في إعادة طرح الرواية الفلسطينية أمام الرأي العام الدولي، بعدما ظلت شهادات الضحايا الفلسطينيين تواجه حواجز سياسية وإعلامية في بعض البيئات.
ولفت أبو رحمة إلى أن الجدل حول «نازا» يكشف كذلك عن صراع داخل إسرائيل بشأن كيفية التعامل مع الانتقادات الموجهة إلى الجيش، بين من يرى في كشف هذه الشهادات ضرورة للتحقيق والمساءلة، وبين المؤسسة الرسمية التي ترفض ما ورد في الفيلم وتعتبره تشويهًا لصورة الجيش. وقد نقلت تقارير أن الجيش الإسرائيلي رفض الاتهامات الواردة في الفيلم، وقال إن قرارات استهداف المدنيين تخضع لاعتبارات قانونية وعسكرية.
أهمية ودلالة
واكد الكاتب والمحلل السياسي فايز السويطي أن الفيلم الوثائقي «نازا» يكشف جانبًا من حقيقة ما يجري في قطاع غزة من جرائم بحق المدنيين، مشيرًا إلى أن أهميته تكمن في أن القائمين عليه إسرائيليون، وأن شهاداته جاءت من عشرات العسكريين الذين خدموا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وأوضح السويطي لـ«الاستقلال» أن الشهادات الواردة في الفيلم تؤكد وقوع عمليات قتل بحق مدنيين فلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، معتبرًا أن صدور هذه الشهادات من داخل المؤسسة العسكرية نفسها شكّل، وفق تقديره، صدمة للإسرائيليين الذين عاشوا حالة من الإنكار لما يجري في غزة.
وأشار إلى أن حالة الإنكار دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى محاولة تخوين القائمين على الفيلم، إلى جانب توظيف القضية سياسيًا في ظل الأجواء الانتخابية والمزايدات الداخلية الإسرائيلية.
ولفت السويطي إلى أن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي تجاه الفيلم يشهد انقسامًا، رغم غلبة الأصوات التي تهاجم القائمين عليه وتنكر ما ورد في شهاداته، موضحًا أن المطالبات بسحب جنسيات المشاركين فيه أو محاكمتهم، ووصف شهاداتهم بالكذب، تعكس حجم الجدل الذي أثاره العمل داخل إسرائيل.
وأضاف أن التعامل الإسرائيلي مع الفيلم يجب قراءته أيضًا في سياق الموسم الانتخابي، حيث يسعى نتنياهو، بحسب تقديره، إلى توظيف القضية سياسيًا في مواجهة خصومه.
وحول عنوان الفيلم، أوضح السويطي أن «نازا» مستمد من مصطلح تستخدمه المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية للإشارة إلى «الضرر الجانبي»، معتبرًا أن ذلك يعكس معرفة المؤسسة بمفهوم الخسائر المدنية التي ترافق العمليات العسكرية، وأن استمرار الإنكار لا يلغي ما تكشفه الشهادات الواردة في الفيلم.


التعليقات : 0